ابن قيم الجوزية

244

الروح

بمعنى يشهد الحطيئة ، يقول تعالى : نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أي عما هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر ، ثم أضاف خبرا آخر فقال : أَوْ تَقُولُوا بمعنى وأن تقولوا ، لأن أو بمعنى واو النسق ، مثل قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً « 1 » فتأويله : ونشهد أن تقولوا يوم القيامة : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ « 2 » أي أنهم أشركوا وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا فجرينا على مذاهبهم واقتدينا بهم ، فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم ، والذنب في ذلك لهم ، قالوا : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ « 3 » يدل على ذلك قولهم : أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أي حملهم إيانا على الشرك ، فتكون القصة الأولى خبرا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق عليهم ، والقصة الثانية خبر عما يقول المشركون يوم القيامة من الاعتذار . وقال : فيما ادعاه المخالف أنه تفاوت فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ألفاظهما فيهما قولا يجب قبوله بالنظائر والعبر التي تأيد بها لمخالفته ، فقال : إن الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن اللّه مسح ظهر آدم ، أفاد زيادة خبر كان في القصة التي ذكر اللّه تعالى في الكتاب بعضها ولم يذكر كلها ولو أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم به سوى هذه الزيادة التي أخبر بها مما عسى أن يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أخذ فيه العهد مما يضمنه اللّه كتابه لما كان في ذلك خلاف ولا تفاوت بل كان زيادة في الفائدة . وكذلك الألفاظ إذا اختلف في ذاتها وكان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب تناقضا كما قال عز وجل في كتابه في خلق آدم فذكر مرة أنه خلق من تراب ومرة أنه خلق من حمأ مسنون ، ومرة من طين لازب ، ومرة من صلصال كالفخار . فهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها أيضا في الأحوال مختلفة إذ الصلصال غير الحمأ ، والحمأة غير التراب إلا أن مرجعها كلها في الأصل إلى جوهر واحد وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال .

--> ( 1 ) سورة الإنسان ، الآية 24 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 273 . ( 3 ) سورة الزخرف ، الآية 23 .